العيني

120

عمدة القاري

عليه الصلاة والسلام ، وفي ( شرح ابن التين ) أن هذه الآية نزلت في كعب الأحبار وعبد اللَّه ابن سلام . قلت : عبد اللَّه بن سلام صواب ، وقوله : كعب الأحبار خطأ ، لأن كعباً ليست له صحبة ولم يسلم إلاَّ في زمن عمر بن الخطاب ، رضي الله عنه . وقال القرطبي : الكتابي الذي يضاعف أجره هو الذي كان على الحق في فعله عقداً وفعلاً إلى أن آمن بنبينا صلى الله عليه وسلم فيؤجر على اتباع الحق الأول والثاني ، وفيه نظر ، لأن النبي ، عليه الصلاة والسلام ، كتب إلى هرقل : ( أسلم يؤتك الله أجرك مرتين ) ، وهرقل كان ممن دخل في النصرانية بعد التبديل . وقال أبو عبد الملك البوني وغيره : إن الحديث لا يتناول اليهود البتة ، وفيه نظر أيضاً كما ذكرناه . وقال الداودي : إنه يحتمل أن يتناول سائر الأمم فيما فعلوه من خير ، كما في حديث حكيم بن حزام : ( أسلمت على ما أسلفت من خير ) . وفيه نظر ، لأن الحديث مقيد بأهل الكتاب فلا يتناول غيرهم . وأيضاً فقوله : ( آمن بنبيه ) إشعار بعلية الأجر ، أي أن سبب الأجرين من الإيمان بالنبيين ، والكفار ليسوا كذلك ، وقال الكرماني : فإن قلت : أهذا مختص بمن آمن منهم في عهد البعثة أم شامل لمن آمن منهم في زماننا أيضاً ؟ قلت : مختص بهم لأن عيسى ، عليه الصلاة والسلام ، ليس بنبيهم بعد البعثة ، بل نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم بعدها . وقال بعضهم : هذا لا يتم بمن لم تبلغهم الدعوة ، وما قاله شيخنا أظهر ، أراد به ما قاله من قوله : إن هذه الثلاثة المذكورة في الحديث مستمرة إلى يوم القيامة . قلت : ليس بظاهر ما قاله هو ، ، ولا ما قاله شيخه ، أما عدم ظهور ما قاله فهو أن ببعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم انقطعت دعوة عيسى صلى الله عليه وسلم وارتفعت شريعته ، فدخل جميع الكفار ، أهل الكتاب وغيرهم ، تحت دعوة النبي صلى الله عليه وسلم ، سواء بلغتهم الدعوة أو لا . ولهذا يقال : هم أهل الدعوة ، غاية ما في الباب أن من لم تبلغه الدعوة لا تطلق عليهم بالفعل ، وأما بالقوة فليسوا بخارجين عنها . وأما عدم ظهور ما قاله شيخه فهو أنه دعوى بلا دليل ، لأن ظاهر الحديث يرده لأنه قيد في حق أهل الكتاب بقوله : ( آمن بنبيه ) ، وقد قلنا : إنه حال ، والحال قيد ، فكان الشرط في كون الأجرين للرجل الذي هو من أهل الكتاب أن يكون قد آمن بنبيه الذي كان مبعوثاً إليه ، ثم آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم . والكتابي بعد البعثة ليس له نبي غير نبينا صلى الله عليه وسلم لما قلنا من انقطاع دعوة عيسى صلى الله عليه وسلم بالبعثة ، فإذا آمن استحق أجراً واحداً في مقابلة إيمانه بالنبي المبعوث إليه ، وهو نبينا صلى الله عليه وسلم . وأما الحكم في الأخيرين ، وهما : العبد وصاحب الأمة فهو مستمر إلى يوم القيامة . ثم هذا القائل : وأما ما قوى به الكرماني دعواه بكون السياق مختلفاً حيث قيل في مؤمني أهل الكتاب : ( رجل ) بالتنكير ، وفي العبد بالتعريف ، وحيث زيدت فيه : إذا ، الدالة على معنى الاستقبال ، فأشعر ذلك بأن الأجرين لمؤمني أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال ، بخلاف العبد ، انتهى . وهو غير مستقيم ، لأنه مشى فيه مع ظاهر اللفظ ، وليس متفقا عليه بين الرواة ، بل هو عند المصنف وغيره مختلف ، فقد عبر في ترجمة عيسى صلى الله عليه وسلم : بإذا ، في الثلاثة . وعبر في النكاح بقوله : ( أيما رجل ) . في المواضع الثلاثة ، وهي صريحة في التعميم ، وأما الاختلاف بالتعريف والتنكير فلا أثر له ههنا ، لأن المعرف بلام الجنس مؤدٍ مؤدى النكرة . قلت : ليس قصد الكرماني ما ذكره القائل ، وإنما قصده بيان النكتة في ذكر أفراد الثلاثة المذكورة في الحديث بمخالفة الثاني الأول والثالث ، حيث ذكر الأول بقوله : ( رجل من أهل الكتاب ) ، والثالث كذلك بقول : ( رجل كانت عنده أمة ) ، وذكر الثاني بقوله : ( والعبد المملوك ) في التعريف ، فخالف الأول والثالث في التعريف والتنكير ، وأيضاً ذكر الثاني بكلمة : إذا ، حيث قال : ( إذا أدى حق الله وحق مواليه ) ، وكان مقتضى الظاهر أن يذكر الكل على نسق واحد بأن يقال : وعبد مملوك أدى حق الله ، أو رجل مملوك أدى حق الله ، ثم أجاب عن ذلك بأنه لا مخالفة عند التحقيق ، يعني المخالفة بحسب الظاهر ، ولكن في نفس الأمر لا مخالفة . ثم بين ذلك بقوله : إذ المعرف بلام الجنس مؤد مؤدى النكرة ، وكذا لا مخالفة في دخول : إذا ، لأن : إذا ، للظرف . و : آمن ، حال ، والحال في حكم الظرف ، إذ معنى جاء زيد راكباً جاء في وقت الركوب وفي حاله . وتعليل هذا القائل قوله : وهو غير مستقيم ، بقوله : لأنه مشى مع ظاهر اللفظ ، غير مستقيم . لأن بيان النكات بحسب ما وقع في ظواهر الألفاظ ، والاختلاف من الرواة في لفظ الحديث لا يضر دعوى الكرماني من قوله : إن الأجرين لمؤمني أهل الكتاب لا يقع في الاستقبال ، أما وقوع : إذا ، في الثلاثة ، وإن كانت : إذا ، للاستقبال فهو أن حصول الأجرين مشروط بالإيمان بنبيه ثم بنبينا صلى الله عليه وسلم ، وقد قلنا : إن بالبعثة تنقطع دعوة غير نبينا صلى الله عليه وسلم ، فلم يبق إلاَّ الإيمان بنبينا صلى الله عليه وسلم ، فلم يحصل ، إلاَّ أجر واحد لانتفاء شرط الأجرين . وأما وقوع : أيما ، وإن كانت تدل على التعميم